وطنية

آفاق مشتركة وتحديات راهنية تجمع الأديان والحضارات في “حوار طنجة”

تصدَّرت قضايا العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي، وجائحة “كورونا”، والتغيّرات المناخية، ومستقبل الطب والتكنولوجيا، فعاليات وأشغال اللقاء الدولي الموسوم بـ”حوار طنجة”، الذي تنظمه وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بشراكة مع مشروع “علاء الدين” و”تحالف الأمم المتحدة للحضارات”، تحت شعار “نحو أفُـق مشترك جديد”، قصد مناقشة عدد من القضايا الراهنة والمُلحة ذات الصلة بالتعايش الديني والحوار بين الثقافات.

وفي كلمته، أشاد وزير الخارجية ناصر بوريطة بـ”الدبلوماسية الدينية للمملكة بإفريقيا”، مشيراً إلى أن أهداف مؤسسة “محمد السادس للعلماء الأفارقة” ومعهد “محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات” تتوخّى بالأساس “مواجهة التطرف الذي يستشري على أبواب إفريقيا، والنهوض بـقِيَم الإسلام الوسطي المعتدل”.

وأمام حضور يتألّف من شخصيات سياسية وأكاديمية وثقافية وعلمية، حَجَّت إلى “عروس الشمال” من ثقافات ودول مختلفة، تطرّق بوريطة إلى خصوصيات العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي، قائلاً إنها “لم تكن دائما متناغمة تماماً، باستثناء حالات قليلة”، داعياً في هذا الصدد إلى “توطيد العلاقات بين الغرب والبلدان الإسلامية”.

وفي ظل تنامي الظاهرة الإرهابية وتمدُّدِها في مناطق واسعة من المعمور، لفت بوريطة انتباه المشاركين إلى ضرورة “التحالف للحد من الإرهاب، والعمل سويّا من أجل مواجهة التغيرات المناخية”، التي اعتبرَها من أبرز محددات “الهجرة غير النظامية”.

وفي كلمة مسجَّلة بُثت خلال الجلسة الافتتاحية، الجمعة، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن “توطيد العلاقات بين العالمين الغربي والإسلامي عامل مُساهم في حفظ السلام في مناطق النزاع، وتعزيز الفرص الاقتصادية”، دون أن يفوّت فرصة التعبير عن ثنائه على الحكومة المغربية ومشروع “علاء الدين” في “بناء الجسور بين الثقافات ومكافحة كل أشكال العنصرية والتعصب”.

وأشار بلينكن، في معرض حديثه، إلى أهمية انعقاد “حوار طنجة” ودوره في تعميق التفاهم بين الغرب- بما فيه الولايات المتحدة- وبلدان العالم الإسلامي، قصد “توطيد الحريات للشعوب من مختلف الأديان، ومواجهة التداعيات الوخيمة للتغيرات المناخية”، المتضمِّنة لإشكاليات راهنية كانعدام الأمن المائي والغذائي، باتت تفرض نفسها بقوة.

من جهته، أبرز المستشار الملكي أندري أزولاي أن “المغرب ملتقى للحضارات، ونموذجٌ للتعايش والتلّاقي بين الثقافات والديانات”، مضيفاً “تلتقون اليوم بطنجة بالنظر إلى أن المغرب عرف كيف يجد السبيل للوصول إلى التوافق، توافُقُ أمَّةٍ ومجتمع، على أرض الإسلام بالعالم العربي، والذي اختار الحداثة”.

الصوت الأُمَمي كان بدوره حاضراً في فعاليات المؤتمر في شخص الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي نوّه، في كلمة عبر الفيديو، بمدينة طنجة باعتبارها أرضاً للتعددية الثقافية والحضارية والمعرفية، ومكانا مثالياً لمناقشة العلاقات والقضايا المشتركة للشعوب، معتبرا أن العالم يواجه العديد من التحديات والقضايا، التي تستدعي تعاونا وتضامُناً دوليا، وحواراً متعدد الأطراف، على اعتبار أن “السياسات القائمة على العنف والكراهية وعدم التسامح تأتي بنتائج كارثية، إذ لا يمكن تحقيق الرفاه إلاّ عن طريق التنوع الحوار الثقافي والديني”.

مصطفى بوهندي، مدير مركز “مراجعات للأبحاث والدراسات الإنسانية” بالمحمدية، قال إنّ اختيار مدينة طنجة لاحتضان هذا الحدث البارز تقف وراءه دلالات عميقة، يظل أهمُّها الطابع الدولي الذي تميّزت به المدينة تاريخياً، وسَعي القوى الاستعمارية حينها للسيطرة عليها؛ مما جعلها “مَحطّ أطماع استعمارية عديدة”، فضلا عن موقعها الجغرافي الاستراتيجي الرابط كـ”جِسر بين الحضارات والثقافات (جنوب/ شمال، شرق/ غرب)”.

وأضاف بوهندي، الذي يشتغل أستاذا بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، في اتصال مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن العالم يمرّ اليوم بـ”منعطف تاريخي يَسِمُه تبدُّل موازين القوى العالمية في اتجاه ظهور محاور جديدة، أحدَثتْ قطيعة مع نظام القطب الواحد، مقابل صعود القارة الإفريقية كفاعلٍ يفرض نفسه على الساحة الدولية بشبابها الذي انفتح مبكراً على التقنية والمعرفة”.

وأردف الباحث في قضايا الأديان والحضارات أن أوروبا تجد نفسَها مُلزَمةً حالياً بـ”التعاون ومدّ يد العون والتضامن مع الأفارقة وقارّتهم”، في سياق يتميز بعودة قوية للمغرب إلى جذوره الإفريقية معتمداً نهج منطق “رابح- رابح” في علاقاته الدبلوماسية، مشيرا إلى أن “النموذج المغربي كان منفتحاً على الدوام ضد التطرّف والغلوّ بكل تجلياته”، مع تذكيره بـ”أمجاد الأندلس وطنجة الكبيرة التي امتد صداها إلى إسبانيا” في تلاقُحٍ ثقافي قلّ نظيره في عالم اليوم، جعل النهضة الأوروبية تعتمد ترجمة أعمال ابن رشد مثلا لبناء مَجدِها”.

يُذكر أن الجلسات التي بُرمِجت ضمن “حوار طنجة” حاولت مقاربة قضايا ومحاور إشكالية راهنة مثل “استكشاف أهمية العوامل الاقتصادية في دينامية العلاقات بين العرب والعالم الإسلامي”، و”جائحة كوفيد- 19 ومستقبل الطب والعلوم والتكنولوجيا: كيف تستفيد إفريقيا والشرق الأوسط”، و”التغير المناخي: تجاوز الانقسام بين الشمال والجنوب”، و”الجيو- سياسة: لماذا وكيف يمكن إعادة بناء العلاقات بين الغرب والدول ذات الأغلبية المسلمة”، و”الثقافة والتربية: عهد جديد للشراكة”، و”الآفاق القريبة والمتوسطة المدى للشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button