وطنية

بوصوف يرصد دور المسلمين وسكان الضواحي في سباق ” قصر الماتينيون”

يرى عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أنه من الصعوبة التكهن بنتائج الدور الأول للتشريعيات الفرنسية المزمع تنظيمها يوم 12 يونيو الجاري، مبرزا أن هناك يقينا تاما ببروز مفاجآت داخل الاتحاد الجديد لليسار الفرنسي.

وقال بوصوف، ضمن مقال بعنوان: “سباق قصر الماتينيون ودور الناخب المسلم وسكان الضواحي”، أن الكرة الآن في ملعب الناخب الفرنسي للاختيار بين أغلبية مطلقة تضمن لإيمانويل ماكرون كافة الصلاحيات، أو “حكومة تعايش” تشاركه الحسم في الملفات الحساسة، مشددا على دور “الناخب المسلم” والناخب المهاجر من سكان الضواحي في هزيمة التطرف اليميني العنصري ونجاح قيم التعايش المشترك في الرئاسيات الفرنسية الأخيرة.

وهذا نص المقال

الإعلان عن فوز الرئيس إيمانويل ماكرون بالرئاسيات في شهر أبريل من سنة 2022، لم يكن إعلانا عن نهاية المسلسل الانتخابي الفرنسي، بل كان نهاية جولة فقط في انتظار جولة التشريعيات التي ستجرى في دورتين، الأحد 12 والأحد 19 يونيو الجاري، لذلك حملت تصريحات كل من ماكرون ولوبان وميلنشون رسائل سياسية عدة يوم إعلان نتائج الرئاسيات تُـعلن عن بداية السباق نحو “قصر الماتينيون”، أي قصر رئاسة الحكومة الفرنسية.

الأكيد أن نــســق ومجريات حملة الانتخابات الرئاسية لسنة 2022 سيؤثران على كل تفاصيل انتخابات الجمعية العمومية الفرنسية ومقاعدها الـ 577؛ إذ النتائج المتقاربة بين كل من ماكرون ولوبان وميلنشون (27 و23 و22 في المائة) جعلت أولًا الجولة الثانية للرئاسيات تنحصر بين ماكرون ولوبان حيث انتصرت قيم محاربة التطرف والعنصرية، فيما تجري ثانيًا التشريعيات بين ماكرون وميلنشون.

طبعا لا يجب إهمال تصريح مارين لوبان، زعيمة حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، عشية إعلان هزيمتها الرئاسية في أبريل 2022 وانتشائها بتحقيق الانتصار؛ إذ حققت تقدما بين سنتي 2017 و2022، وهو ما يعني التخطيط لتجاوز حصيلة تشريعيات 2017 والمقاعد الثمانية بالجمعية العمومية، في أفق تحقيق نتائج أقوى داخل الجمعية العمومية في يونيو 2022 وإمكانية خلق أرضية مشتركة على مستوى البرامج وطريقة الاشتغال والتحالف مع زعيم “حزب الاسترداد” ايريك زمور، وتشكيل معارضة قوية بناء على النتائج الكارثية التي حققها حزب “الجمهوريون” في رئاسيات أبريل 2022.

لكن العديد من المراقبين ينبهون للاختلافات الجوهرية في العملية الانتخابية بين الرئاسيات التي تتحكم فيها عوامل السياسات الخارجية أيضا وبين التشريعيات التي تتأثر بميكانزمات شخصية المرشح نفسه والحضور التاريخي للحزب علاقته بهذه المنطقة أو تلك، لذلك يذهب المراقبون إلى تحقيق حزب “الجمهوريون” نتائج تضمن بقاءه في الخريطة السياسية الفرنسية، سواء كمعارضة أو “كحليف مُحتمل” لتيار حزب الرئيس ماكرون في حالة عدم الحصول على الأغلبية المطلقة، أي 289 مقعدا.

كما لا يجب إهمال تصريح جان لوك ميلنشون، زعيم حزب “فرنسا الأبية”، وقوله بعدم إعطاء أي صوت لمارين لوبان، لكنه لم يدع صراحة وعلنا للتصويت لماكرون، محتفظا بناخبيه لجولة تشريعيات يونيو 2022.

أما ماكرون، فقد أشار في الليلة نفسها إلى ناخبين صوتوا له ليس تأييدا لبرنامجه، بل فقط لقطع الطريق على اليمين المتطرف وزعيمته لوبان.

كل هذه الرسائل حملت معها متغيرات قوية في التعامل مع تشريعيات 2022 قـد تغير العديد من ملامح الجمهورية الفرنسية الخامسة، سواء على مستوى التشريعات الخاصة بالتقاعد وتحديث بعض القطاعات الإدارية والانتقال البيئي والطاقي، أو على مستوى موقع الدولة الفرنسية في الاتحاد الأوروبي والناتو وعلاقاتها مع الصين وموسكو وإفريقيا، كما ستكون لها ارتدادات على مستوى انتخابات البرلمان الأوروبي القادم.

فالرغبة في الاحتفاظ بـ”قصر الماتينيون” كانت وراء هندسة اختيارات الرئيس ماكرون بمناسبة التعديل الوزاري والمجيء بـ”اليزابيث بورن” على رأس الحكومة الفرنسية بعد حملها سابقا لحقيبتي وزارتي النقل والانتقال البيئي، وهي ثاني امرأة رئيسة للحكومة في تاريخ فرنسا بعد السيدة “إيديث كريسون”، ويحمل رسائل الانتصار “النوعي” للمرأة الفرنسية من جهة، ولماضيها اليساري من جهة ثانية. فيما سيقود الرئيس المستقيل “جاك كاستيكس” حملة التشريعيات باسم تيار إيمانويل ماكرون. التعديل الحكومي الذي اعتُبـر حلقة مهمة في التحضير لانتخابات الجمعية العمومية حمل معه أيضًا تغييرا في حقائب الخارجية والدفاع، فيما تم الاحتفاظ بوزير الداخلية “جيرالد دارمانان”، لكن الاختيار “النوعي” الآخر المتمثل في وزير التربية العمومية الجديد “باب ندياي” شكل مادة إعلامية وسياسية قوية؛ إذ لم تكن أصوله (من أب سينغالي وأم فرنسية) هي المشكلة، بل أفكاره وتبنيه للأفكار “المستيقظة” عكس سابقه في الوزارة نفسها.

كما أن الرغبة في الوصول إلى “قصر الماتينيون” هي التي عبدت الطريق لبناء تحالف يساري جديد “NUPES” بزعامة “جان لوك ميلنشون”، يضم أحزاب الخضر والبيئة والاشتراكي والشيوعي، وهي زعامة فرضتها نتائج الرئاسيات التي هزت أركان اليسار الفرنسي التقليدي وجعلت من ميلنشون منافسا قويا على “قصر المانيتيون” ومشاركته للرئيس ماكرون إدارة البلاد في إطار “حكومة تعايش” سيرا على سابقة “الجبهة الشعبية” سنة 1936 و”Leon Blum” وسابقة “اليسار المتعدد” سنة 1997 وليون جوسبان عندما قاد الحكومة في عهد الرئيس اليميني جاك شيراك.

ورغم ذلك، فلا أحد يمكنه تكهن نتائج الدور الأول للتشريعيات الفرنسية يوم 12 يونيو، على الرغم من اليقين التام بانتظار مفاجآت قوية داخل الاتحاد الجديد لليسار الفرنسي واقتراب ميلنشون من رئاسة الحكومة وأيضا انتظار ارتفاع مقاعد اليمين المتطرف داخل الجمعية العمومية.

الكرة الآن في ملعب الناخب الفرنسي للاختيار بين أغلبية مطلقة داخل الجمعية العمومية تضمن للرئيس ماكرون كافة الصلاحيات، أو “حكومة تعايش” تشاركه في الحسم في ملفات حساسة، خاصة ملفات الرعاية الاجتماعية والحد الأدنى للأجور والانتقال البيئي، أو الامتناع عن التصويت، وهو ما يفسح المجال لامتداد اليمين المتطرف داخل البرلمان الفرنسي.

الكرة الآن أيضا في ملعب “الناخب المسلم” والناخب المهاجر من سكان الضواحي، الذي لعب دورا حاسما في هزيمة التطرف اليميني العنصري ونجاح قيم التعايش المشترك في الرئاسيات الفرنسية الأخيرة؛ فهو مدعو اليوم للدفاع عن موقعه الفاعل والفاصل في المشهد السياسي؛ إذ لم يعد مسموحا له اليوم بالتراجع أو التخلف عن موعد انتخابي حاسم، سواء كمنتخب أو كمرشح. يجب طي صفحة اعتبار المهاجرين والإسلام والضواحي كحطب لنار الانتخابات، والانتقال إلى اعتبارهم مشعلا للتنوع والتعدد الثقافي وحسنات العيش المشترك. سننتظر الدور الثاني يوم 19 يونيو.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button