وطنية

دراسة تتتبع جذور الفهم السلفي لـ”الإسلام” في تصورات “أهل الحديث” للوحي

محاولة للبحث في متخيل سلفيّي “أهل الحديث” للوحي، قامت بها دراسة جديدة للباحث جمال لخلوفي، صدرت عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث” بعنوان: “أنثروبولوجية النبوة: الوحي في متخيّل أهل الحديث”.

تبحث هذه الدراسة في “الأسس الثقافية التي تأسس عليها مفهوم الوحي وصورته النمطية في مذهب أهل الحديث”، من خلال “تحليل بعض الأحاديث المنسوبة إلى نبيّ الإسلام، بالبحث داخل الفراغات التي ملأتها مخيّلة الفاعلين في نشأة هذا الفكر، ونهلَت من الأطر الثقافية لأصحابها، وشكّلت بنية لا شعورية عميقة، كانت لها تجليات واضحة في تطوّر الفكر الديني وصناعته عند هذه الجماعة”.

وتحفر هذه الدراسة في “الأسس الثقافية التي يقوم عليها مفهوم الوحي عند أهل الحديث (السلفيين)”، أي “في المرجعيات والمسلّمات التي تنطلق منها أثناء تأسيس المعنى، والتي تحضر في شكل مخيال أو متخيّل خاص بالجماعة التي ينظّمها”.

وبما أن “لكل جماعة متخيّلها الخاص، سواء وعت بذلك أم لا”، يستهدف الباحث فهم تصور هذه الجماعة للوحي انطلاقا من الأحاديث النبوية.

وانطلاقا من انحصار الأنبياء في مكان محدود بين الشرق وشبه الجزيرة العربيين (حاليا)، يرى الباحث في هذا “مؤشرا على الطابع الثقافي للظاهرة”، مع تسجيله “الخطأ الذي وقع فيه الكثير من الدارسين الغربيين، والذي تبعهم فيه المنتمون للثقافة الإسلامية، بإطلاق لفظ “النبي” على معلِّمِي الشرق من الهندوس والبوذيين وغيرهم، متأثرين برؤيتهم الثقافية التي تجد جذورها في الخلفية اليهودية المسيحية”.

ولجأت الدراسة إلى ما أسمته “مفاهيم “محايدة” نسبيا؛ “فبدل لفظ الوحي نستخدم عبارة الاتصال بقوة متعالية، وبدل رسالة، نستعمل مفهوم تواصل”؛ وهكذا “إذا أخذنا الأساس الأوّل لما يسمّى بتجربة الوحي، من حيث إعادة استخدام المفاهيم، يمكننا أن نصف وجود شخص يقول إنه يتواصل مع بعد آخر أو مجال يوجد وراء التجربة الحياتية المباشرة”، وهو ما ذكر الباحث أنه منتشر في مختلف بقاع العالم.

وتعيد الدراسة النظر في التمييز الذي يقيمه باحثون مثل يوسف زيدان بين “الأديان الصاعدة” (الهندوسية والطاوية والبوذية) و”الأديان النازلة الرسولية” (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وتقول: “فإن كنا نتفق معه في جعلها جميعا سماوية؛ باعتبار ذلك، في نظرنا، مجرد مفهوم ثقافي، إلا أننا نختلف معه في مسألة الصاعدة والنازلة، التي نعتقد أن أساسها ثقافي أيضا؛ فزاوية النظر هي ما يجعلنا نرى معراجا وترقيا نفسيا أو نزولا وخطابا سماويا. والانتشار الكبير للبوذية والطاوية هي من بين نتائج الممارسة الرسولية، إذا استخدمنا مفهوما ثقافيا في وصفها”.

وتنبه الدراسة إلى أن “عملية حصر المعنى وجعله خاصا بفئة محددة لم تتم من داخل الوحي ذاته؛ فالقرآن لا يتضمن هذا التحديد، والذي سيتكفل بذلك هم المفسرون والمتكلمون والمحدثون”، علما أن “التصنيف فعل عقلي ينهل من أطر ثقافية وبراديغمات إبستمولوجية لا يمكن فصلها عن الإطار التاريخي والثقافي الذي تنتج داخله؛ ففعل الوحي في القرآن ينسب إلى الإله، وإلى الجن والشياطين وإلى الملائكة، ويُبنى للمجهول. أما الموحى لهم، فهم الأنبياء والحواريون وشياطين الإنس والجن، وأولياء الشياطين، والملائكة، وأم موسى، والنحل، وإلى السماء والأرض”.

وتابعت الدراسة: “غير أن المفسرين ميزوا بين معانٍ مختلفة كي يحصروا معنى الوحي عند الأنبياء بالمعنى الذي يوافق رؤيتهم؛ فالوحي إلى الأرض في آية “بأن ربك أوحى لها” فسرّه الطبري بالإعلام، والأصفهاني بالتسخير. والوحي إلى الحواريين وإلى النحل، فسّروه بالقذف في النفس، ومنهم من جعل الوحي إلى النحل تسخيرا وإلى الحواريين أمرا باتباع الرسول، واللفظ واحد واختيار الدلالة عمل المؤوّل حسب خلفياته”.

ورجح الدارس أن يكون دافع هذا “الإحراج الذي قد يسببه القول باختلاف الوحي، فقط، في الدرجة لا في النوع، في مسألة أخرى هي القرآن”.

وسجلت الدراسة أن بنية الوحي تأخذ شكل عودة إلى حالة الطبيعة؛ “ومن هنا نفهم رمزية الغار، حيث ترتبط المغارات بالولادة، وبفترة الكمون التي تسبق الانبعاث، خاصة عندما يرتبط اعتزال الناس بالأربعين، وهو سن الاكتمال الروحي في المعتقدات الدينية والأساطير، والدال على التغيّر والولادة من جديد”.

ويرى الباحث أن هذا التصور يفتح الباب أمام “فهم مختلف عن الوحي، لكن أيضا عن طبيعة مفاهيم أخرى ضمن ذات البنية؛ فالإسلام بهذا المعنى هو العودة إلى حالة الطبيعة أو الفطرة كما يسميها النص القرآني”.

وترتبط البداية في “متخيل أهل الحديث”، وفق الدراسة، بـ”واقعة نزول جبريل التي تتضمن وضع النبي في موقف المنفعل، وبه تم التأسيس للمعنى الواحد الذي أتى به الوحي؛ فتم تصوير هذه الفترة بعدم وجود الخلاف، حيث يسود الرأي الواحد والفهم الوحيد للدين”.

هذه الصورة “تستميت خلفيات التيارات السلفية في الدفاع عنها؛ لأنها أساسية في قيام فهمها للنص الديني التوقيفي الذي يستمد شرعيته من “وحدة” “السلف الصالح”، كما أن “متخيل أهل الحديث عن الصحابة” يتشكّل بدوره بـ”فهم يستقي جذوره، أيضا، من مفهوم السلبية في التلقي؛ بمعنى أنهم كانوا يأخذون ما يخبرهم النبي، ويفهمونه كما هو، باعتبار أنهم كانوا أهل اللغة العربية”.

وتستمر الدراسة مفصلة: “توحي هذه الصورة بأن عهد النبي كان يشهد وحدة بين مكوناته أفرادا وجماعات، ويجعل الاختلافات التي نقلتها كتب السير مجرّد أحداث عابرة”. رغم ذلك، “مخيال الوحي الواضح للصحابة، الذي اتخذ شكلا واحدا، لا يمكن أن يفسّر الاختلافات الكبيرة التي ظهرت بعد موت النبي”.

ومع تسجيل الباحث أن إدراك الإنسان للمحيط يرتبط بانتظاراته ووجهات نظره، وبعيدا عن “علم الجرح والتعديل، الذي هو محاولة محدودة بشروطها الإبستمولوجية التاريخية”، فإن “الأخبار المتضاربة بل وحتى المتناقضة، التي أُلفت المؤلفات للتوفيق بينها، إنما نتجت عن انتقائية الوعي، مع عدم استبعاد صناعة الأخبار”.

وزاد الباحث معبرا عن اعتقاده بأن “المسألة تمتد إلى الجوانب اللاشعورية للإنسان” أي “الاختلاف الناتج عن صراع التأويلات” المرتبطة بـ”صراع المتخيلات”.

وخلص الدارس إلى أن صورة بداية الإسلام والوحي عند أهل الحديث قد تشكلت “انطلاقا من تمثلات سلبية للمتلقي، سواء الأول (النبي) أو الثاني (الصحابة)، وهو ما شكّل مدخلا لفكرة الاكتمال، الذي لا يعقبه إلا النقص، وتم بذلك استبعاد فكرة النشأة والتطور؛ فكان كل مسعى نحو الكمال يرتبط بالعودة إلى البداية، سواء أكانت هذه العودة تاريخية من خلال تصوراتهم عن أحداث زمن الخلافة، أو إبستيمية من خلال أدوات فهم وتحليل النصوص والوقائع”.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published.

Back to top button